كم مرة وجدت نفسك عالقاً في نفس الدائرة؟ تقرأ كتاباً مذهلاً عن الثقة بالنفس، وتغلقه وأنت تشعر أنك ملكت مفاتيح الكون. تقول لنفسك: "خلاص، فهمت اللعبة! أنا لن أخاف من نظرة الناس بعد اليوم، ولن أجلد ذاتي على أتفه الأخطاء".
منطقياً؟ أنت مقتنع 100%. نظرياً؟ أنت فيلسوف زمانك.
لكن.. تأتي لحظة الحقيقة. موقف بسيط في العمل، اجتماع مفاجئ، أو حتى مجرد فكرة مشروع جديد تود البدء فيه. وفجأة.. يتبخر كل ما قرأته. يعود ذلك الانقباض المألوف في المعدة. يجف ريقك. تتسارع دقات قلبك. وتجد نفسك تعود لنفس عاداتك القديمة: الهروب، التسويف، أو محاولة جعل كل شيء "مثالياً" لدرجة الشلل.
وتجلس بعدها تلوم نفسك بقسوة: "أنا فاشل! أنا أعرف الحل، فلماذا لا أطبقه؟ هل أنا ضعيف الشخصية؟"
يا صديقي، اسمعني جيداً: أنت لست ضعيفاً، ولست فاشلاً. أنت فقط تحاول فتح "باب حديدي" باستخدام "كلمة سر" شفهية. أنت تحاول حل مشكلة "بيولوجية" في جسدك، باستخدام أدوات "فكرية" في عقلك. وهذه هي المعضلة الكبرى التي نعيشها جميعاً.
دعني آخذك في رحلة قصيرة لداخلنا، لنفهم لماذا يحدث هذا الانفصال المؤلم بين ما نعرفه، وبين ما نشعر به.
الحارس القديم.. والأسد الوهمي
داخل جسمك، وتحديداً في جهازك العصبي، يوجد "نظام حماية" صممه الله بدقة متناهية لسبب واحد فقط: أن يبقيك على قيد الحياة. هذا النظام ليس عيباً فيك، بل هو أعظم درع حماية تمتلكه؛ هو الحارس اليقظ الذي لا يغفل أبداً عن تأمينك.
ولكي يقوم هذا الحارس بعمله بفعالية، منحه الخالق صلاحية مطلقة للقيام بإجراء اضطراري: وهو قطع الكهرباء عن "عقلك المنطقي" تماماً! فعندما يستشعر خطراً، ينطفئ الجزء المسؤول عن التفكير والهدوء والتحليل، ويتولى الحارس القيادة عبر ثلاثة أوامر غريزية فقط:
قاتل (Fight): هاجم المصدر.
اهرب (Flight): انجُ بنفسك.
تجمد (Freeze): تظاهر بالموت حتى يرحل الخطر.
لكن، أين تكمن المشكلة؟ المشكلة ليست في الحارس، بل في "قائمة المطلوبين" التي يحملها. ففي مرحلة ما من طفولتنا، وبسبب تجارب معينة أو بيئة ضاغطة، تمت إضافة مواقف عادية إلى قائمة الأخطار الوجودية. أصبح عقلك يرى "انتقاد المدير" وكأنه نمر كاسر، ويرى "احتمالية الفشل" وكأنها دب مفترس يريد التهامك.
الحارس يقوم بعمله ببطولة واحترافية عالية، لكنه "مُشوش"؛ فهو يطلق صافرات الإنذار القصوى لمواجهة مواقف لا تستحق كل هذا الاستنفار. وبما أننا لا نعيش في غابة، تظهر هذه الأوامر في حياتنا المعاصرة بشكل مختلف:
يرى "انتقاد مديرك" أسداً.. فيضغط زر الهروب (ويظهر ذلك في شكل تسويف).
يرى "مشروعاً جديداً" دباً.. فيضغط زر التجمد (ويظهر في شكل كمالية وشلل تحليلي).
عندما تكون في هذه الحالة، وتأتي لتقول لنفسك: "يا أخي، الموضوع بسيط، لنكن منطقيين".. أنت تضيع وقتك. لأن "المدير المنطقي" في عقلك تم طرده من المكتب، ومن يجلس على الكرسي الآن هو "الحارس الخائف" الذي لا يفهم إلا لغة البقاء. نحن هنا لا نريد تعطيل هذا الحارس العظيم، بل نريد فقط أن نحدث بياناته، ونمسح الصور الخاطئة من قائمته، ونعلمه أننا اليوم.. في أمان.
خطأ "الغمر".. أو لماذا تزيد الطين بلة؟
لأننا نكره هذا الضعف فينا، نقرر أحياناً أن نكون "أبطالاً". نقول: "سأكسر هذا الخوف بالقوة! سأرمي نفسي في البحر وأتعلم السباحة!". في علم النفس، نسمي هذا "الغمر" (Flooding).
دعني أشبه لك الأمر بقصة بسيطة. تخيل طفلاً صغيراً يرتعب من القطط. بالنسبة له، القطة وحش كاسر. هل الحل أن نحمل القطة ونرميها فجأة في حضنه لنعلمه الشجاعة؟ إذا فعلنا ذلك، فالطفل سينهار. سيدخل في حالة صدمة وتجمد. وجهازه العصبي سيسجل درساً لن ينساه: "كنت محقاً! القطط مرعبة، وهذا العالم مكان غير آمن، ولا يمكنني الوثوق بأحد".
نحن نفعل هذا بأنفسنا طوال الوقت. نضغط على أنفسنا لمواجهة مخاوف كبيرة دفعة واحدة، فنتحطم، ونعود لقوقعتنا ونحن نكره أنفسنا أكثر.
الحل الحقيقي: كيف نروض الحارس؟ (قصة الشفاء)
الشفاء، يا صديقي، ليس "فكرة" تقتنع بها، بل هو "تجربة" يعيشها جسدك. نحن نحتاج لما يسمى "إعادة ضبط الجهاز العصبي". نحتاج أن نُعلم هذا الحارس القديم أن القطة ليست أسداً، وأن الفشل ليس موتاً. وهو لا يتعلم بالكلام، بل بالتجربة.
لنعد لقصة الطفل.. كيف نعالجه حقاً؟
1. المسافة الآمنة (Titration - التقطير): لن نحضر القطة بجانبه. سنجعلها في آخر الشارع، داخل قفص. والطفل يقف بعيداً جداً. نحن هنا نعطيه "قطرة" خوف صغيرة. قلبه يدق، لكنه ما زال يتنفس. عقله ما زال يعمل. هو في منطقة "الانزعاج المحتمل".
2. المشاركة والأمان (Co-Regulation): أنا كشخص بالغ، أقف بجانبه. أمسك يده. أتنفس بهدوء. لا أسخر من خوفه. جهازه العصبي المضطرب يبدأ "يستعير" الهدوء من جهازي المستقر. يشعر بالأمان ليس بسبب القطة، بل بسبب "وجود السند".
3. التدرج (Gradual Exposure): هذه هي اللعبة كلها. اليوم ننظر للقطة من بعيد. غداً تقترب متراً. بعد أسبوع تدخل الغرفة. في كل مرة، الحارس الداخلي يصرخ: "خطر!".. ثم تمر الدقائق ولا يحدث شيء.. فيهدأ ويقول: "أوه.. لم نمت.. حسناً، ربما الأمر آمن".
4. اللحظة السحرية (التجربة المصححة): بعد فترة، يمد الطفل إصبعه المرتجف ويلمس القطة لثانية واحدة ويسحب يده. في هذه الثانية.. يحدث السحر. ليست قناعة فكرية، بل "راحة جسدية" تسري في عروقه. عقله الباطن يدرك: "لمستها، وهي ناعمة، ولم تأكل يدي". هنا.. وهنا فقط.. يتغير الخوف للأبد.
اعتراف من القلب.. (لماذا أكتب هذا؟)
قد تظن وأنت تقرأ هذا الكلام المنمق أنني "الخبير" الذي تجاوز كل هذا، وأجلس الآن على قمة الجبل لأنصحك. الحقيقة؟ أبعد ما تكون عن ذلك.
أنا أكتب لك هذا المقال الآن، وصوت "الكمالية" ينهش في رأسي. أفكر: "هل الأسلوب جيد؟ هل سيفهمون؟ هل سأبدو سطحياً؟ ماذا لو انتقدني أحد؟" جهازي العصبي، الحارس القديم بداخلي، يرى زر "النشر" الآن وكأنه أسد مفترس يريد التهام سمعتي!
أنا أعرف كل المعلومات التي كتبتها في الأعلى "نظرياً".. لكن معرفتي لم تمنع خوفي. لذلك، قررت أن أطبق العلاج معكم الآن. كتابتي لهذا المقال، ومشاركتي لهذا الضعف أمامكم، هو "التعرض التدريجي" الخاص بي. أنا الآن "ألمس القطة" بطرف إصبعي. أنا أجرب أن أظهر أمامكم بصورة غير كاملة، وأنتظر لأرى.. هل سينهار العالم؟ أم سأكتشف -كما أتمنى- أن الأمر آمن، وأنكم تتقبلون هذا الضعف البشري؟
فيا رفيق الرحلة.. لا تكتفِ بالمعرفة. المعرفة وحدها سجن. ابحث عن "قطتك" المخيفة.. مهما كانت صغيرة. إيميل تؤجله؟ اتصال تخشاه؟ كلمة تود قولها؟ لا ترمِ نفسك في البحر.. فقط بلل قدميك اليوم. المس الخوف بطرف إصبعك.. واثبت لجسدك أنك ستكون بخير.
أنا فعلتها للتو.. والدور عليك.