هل ما زال هناك متسع لنا؟

نُشر في
هل ما زال هناك متسع لنا؟

قبل قليل كنت أحاول صياغة كلمات مثالية عن أزمة الهوية التي نعيشها مع أدوات الذكاء الاصطناعي وفجأة أدركت أنني أمارس نفس الخديعة كنت أكتب نصاً بارداً عن الدفء. وهذا تحديداً هو جوهر الورطة التي نعيشها اليوم. نحن محاطون بجمال رقمي لا يخطئ نصوص لغوية لا تتعثر وصور بلا عيوب.. لكننا نشعر بالجوع. جوع لأي شيء يشبهنا أي شيء فيه وجع أو تردد أو لمسة يد لم تكن تقصد الكمال.

كنت أجلس وأفكر في ذاك الصراع الداخلي: هل هذا عملي فعلاً؟ هذا السؤال ليس مجرد شك عابر هو متلازمة الدخيل لكنها هذه المرة مسلحة بخوارزميات خارقة. نحن نخشى أننا لم نعد نستحق الإنجاز لأننا لم نتعب فيه كما تعب آباؤنا. لكن الحقيقة أننا الآن في مواجهة أصعب بكثير من مجهود ساعات العمل نحن الآن في مواجهة صناعة المعنى.

تخيل لو أنك قررت أن تبني تطبيقاً يحل مشكلة واقعية في حيك أو بدأت تكتب نصاً يحكي عن تجربة شخصية. النظام سيقول لك: تفضل هاك الكود وهاك النص. هنا تبدأ مهمتك الحقيقية التي لا تملكها الأداة حتى الآن. مهمتك تتلخص في تلك المساحات التي لا تُرى:

أولاً في ذائقتك قدرتك على رفض مئة خيار آلي واختيار واحد فقط لأنه يشبهنا. هذا الرفض ليس سهلاً هو نتاج وعيك وثقافتك وبحثك عما يلامس الناس فعلاً لا ما تقترحه الاحتمالات.

ثانياً في السردية قدرتك على حكي قصة إنسانية حول هذا المنتج. الآلة تعطيك الوظيفة لكنك أنت من يبني الثقة والأمان. أنت من يشرح للمستخدم لماذا صنعنا هذا وكيف سيهتم بتفاصيل حياته البسيطة.

ثالثاً في الاستمرارية ذاك النفس الطويل والصبر على تجربة المنتج وإصلاح ثغراته ورعايته يوماً بعد يوم حتى ينضج. الآلة تولد العمل في ثوانٍ لكنك أنت من يربيه حتى يصبح حقيقة.

هذا الرفض وهذه المحاولات المتكررة للوصول لنبرة معينة وهذا الإصرار على تفاصيل قد تبدو للآلة غير مهمة.. هو الجهد الحقيقي. نحن اليوم لم نعد مجرد منفذين نحن صنّاع المعنى. الأداة تزيل عنا فوضى الوقت والترتيب والإنتاجية ليس لكي نرتاح بل لكي نتفرغ للشيء الوحيد الذي لا تجيده الآلة: بناء القيمة الإنسانية. الآلة تملك ألف حل لكنك أنت من يملك الرؤية. أنت من يقرر أن هذا النص صادق بما يكفي وأن هذا التطبيق يخدم الناس فعلاً. بدلاً من أن يكون عملك مجرد مُخرج تقني جاف اجعله رسالة حقيقية تحمل ملامحك وتصل لقلوب الناس.

المستقبل ليس لمن يسبق الآلة في سرعتها بل لمن يتوقف قليلاً ليتأكد أن المعنى الذي صنعه بيده وروحه ما زال موجوداً في كل ما ينتجه.